فخر الدين الرازي
49
المطالب العالية من العلم الإلهي
والقرآن دل على أن بعد الإيمان باللّه تعالى ، لا يجب الإيمان بشيء آخر ، إلا بالملائكة . فقال : « وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ » « 1 » والقرآن دل أيضا : على أنهم أصحاب القدر الظاهرة ، والقوى الغالبة ، فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن قوم لوط من قعور الأرض ، ورفعها إلى قريب من السماء ، ثم رماها على الأرض . وأيضا : القرآن « 2 » يدل على أن القرآن إنما وصل إلى محمد عليه السلام من قبل جبريل ، فإنه قال : « قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » « 3 » وقال في سورة الشعراء : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ « 4 » » وقال : « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ « 5 » » [ فبين أن هذا القرآن إنما وصل إلى محمد عليه السلام بواسطة رسول كريم « 6 » ] وقال أيضا : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى » « 7 » . إذا عرفت هذا فنقول : إنا قبل العلم بعصمة الملائكة عن القبائح والأكاذيب والأضاليل ، نجوز أن تكون هذه المعجزات ، وإنما ظهرت على الأنبياء من قبلهم وبإعانتهم ، وعلى هذا التقدير فلا يبقى في هذه المعجزات فائدة البتة ، ما لم نعلم كون الملائكة معصومين من الأباطيل والأكاذيب . والعلم بعصمتهم لا يحصل من الدلائل العقلية ، بل من الدلائل النقلية . فعلى هذا يتوقف حصول العلم [ بعصمتهم على العلم « 8 » ] بصحة الدلائل النقلية [ والعلم بصحة الدلائل النقلية يتوقف على « 9 » ] العلم بصدق الرسل ، في ادعاء
--> ( 1 ) البقرة 285 . ( 2 ) في ( ت ) : تكرير . ( 3 ) البقرة 97 . ( 4 ) الشعراء 193 - 194 . ( 5 ) التكوير 17 - 19 . ( 6 ) سقط ( ل ) ، ( طا ) . ( 7 ) النجم 5 - 6 . ( 8 ) سقط ( ت ) . ( 9 ) من ( ط ) .